أحمد مصطفى المراغي
34
تفسير المراغي
التي حكاها اللّه عنه « رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً » : أنه لن يؤمن أحد منهم فيتّبعك على ما تدعوه إليه إلا من قد آمن من قبل فيظل على إيمانه فلا يشتدنّ عليك البؤس والحزن بعد اليوم ، بما كانوا يفعلون في السنين الطوال من العناد والإيذاء والتكذيب لك ولمن آمن معك ، فأرح نفسك بعد الآن من جدالهم ومن إعراضهم واحتقارهم ، فقد آن زمن الانتقام ، وحان حين العذاب . ( وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا ) أي واصنع الفلك الذي سننجيك ومن آمن معك فيه وأنت محروس ومراقب برعايتنا ، أي إننا حافظوك في كل آن ، فلا يمنعك من حفظنا مانع ، وملهموك ومعلموك بوحينا كيف تصنعه ، فلا يعرضنّ لك خطأ في صنعته ولا في وصفه . ونحو الآية قوله لموسى « وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي » وقوله لمحمد صلى اللّه عليه وسلم « وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا » . ( وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ) * أي ولا تراجعني في شئ من أمرهم من دفع العذاب عنهم وطلب الرحمة لهم ، فقد حقت عليهم كلمة العذاب وقضى عليهم بالإغراق . والخلاصة - لا تأخذنك بهم رأفة ولا شفقة . ( وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ) أي وشرع يصنع الفلك وكلما مر عليه جماعة من كبراء قومه استهزءوا به وضحكوا منه ، وتنادروا عليه ظنا منهم أنه أصيب بالهوس والجنون . روى أنهم قالوا له : أتحولت نجارا بعد أن كنت نبيّا ، وليس ذلك بالغريب منهم فإنه ما من أحد يسبق أهل عصره بما فوق عقولهم من قول أو فعل إلا سخروا منه قبل أن يكتب له النجاح فيه .